الخطيب الشربيني

7

مغني المحتاج

تنبيه : هذا إذا تمحض القصاص ، فلو شهدا على قاطع الطريق ثم رجعا لم يسقط القصاص عنهما باعتراف الولي بكذبهما ، لأن حق الله تعالى باق . وخرج بولي المقتول ولي القاتل ، فإنه إذا قال : أنا أعلم كذبهما في رجوعهما وأن مورثي قتله فلا قصاص على أحدهما . قال البلقيني : وهذا واضح . وقد يرد على حصره ما لو اعترف القاضي بعلمه بكذبهما حين الحكم أو القتل دون الولي فالقصاص عليه دون الشهود . وسيذكر المصنف رجوع الشهود آخر كتاب الشهادات بأبسط مما هنا . وخرج بالشاهد الراوي ، كما لو أشكلت حادثة على قاض فروى له فيها إنسان خبرا فقتل الحاكم به شخصا ثم رجع الراوي وقال : تعمدت الكذب فلا قصاص عليه كما نقله في الروضة كأصلها قبيل الديات عن الإمام وغيره ، خلافا للبغوي في فتاويه . وقياسه ما لو استفتى القاضي شخصا فأفتاه بالقتل ثم رجع كما بحثه بعض المتأخرين . ثم شرع في الضرب الثاني وهو السبب العرفي ، فقال : ( ولو ضيف بمسموم ) يقتل غالبا ، أو ناوله ( صبيا ) غير مميز كما قيده به الإمام وغيره ونقله الشيخ أبو حامد عن النص ، ( أو مجنونا ) فأكله ( فمات ) منه ( وجب القصاص ) لأنه ألجأه إلى ذلك ، سواء قال له هو مسموم أم لا . وفي معناهما الأعجمي الذي يعتقد وجوب طاعة أمره . وأما المميز فكالبالغ ، وكذا المجنون الذي له تمييز كما قاله البغوي . ( أو ) ضيف به ( بالغا عاقلا ولم يعلم ) الضيف ( حال الطعام فدية ) ولا قصاص لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء . ( وفي قول قصاص ) ورجحه البغوي وغيره . واستدل له المتولي بقتله ( ص ) اليهودية التي سمت له الشاة بخيبر لما مات بشر بن البراء بن معرور . قال في البحر : والاستدلال بذلك ضعيف ، لأنها لم تقدم الشاة إلى الأضياف ، بل بعثتها إليه ( ص ) وهو أضاف أصحابه . وما هذا سبيله لا يلزمه قصاص . ولا ينافي الأول ما في الصحيحين أنه ( ص ) عفا عنها ، لأن ذلك كان في الابتداء فلما مات بشر أمر بقتلها . ( وفي قول لا شئ ) من قصاص أو دية تغليبا للمباشرة على السبب . أما إذا علم الضيف حال الطعام فلا شئ على المضيف جزما ، لأنه المهلك نفسه . ( ولو دس سما ) بتثليث السين والفتح أفصح ، وهو شئ يضاد القوة الحيوانية . ( في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلا ) بالحال فمات . ( فعلى الأقوال ) في المسألة قبلها . وجه الثاني التسبب . والأول قال : يكفي فيه الدية . وعلى الثلاثة يجب له قيمة الطعام لأن الداس أتلفه عليه . ومثل الطعام في ذلك ماء على طريق شخص معين والغالب شربه منه . واحترز بقوله : في طعام شخص عما إذا دسه في طعام نفسه فأكل منه شخص عادته الدخول عليه فإنه هدر . وقوله : الغالب أكله منه زيادة على المحرر ، وهي في الشرحين ولم يتعرض لها الأكثرون . وقضيته أنه إذا كان أكله منه نادرا يكون هدرا ، وجرى على ذلك جمع من الشراح . وليس مرادا وإنما هو لأجل الخلاف حتى يأتي القول بالقصاص وإلا فالواجب دية شبه العمد مطلقا ، نبه على ذلك شيخي فتنبه له فإنه يغفل عنه كثير من الطلبة . فروع : لو قال لعاقل : كل هذا الطعام وفيه سم فأكله فمات فلا قصاص ولا دية كما نص عليه في الام وجزم به الماوردي . ولو ادعى القاتل الجهل بكونه سما فقولان ، والأوجه ما قاله المتولي أنه إن كان ممن يخفى عليه ذلك صدق وإلا فلا . فإن ادعى الجهل بكونه قاتلا فالقصاص . ولو قامت بينة بأن السم الذي أوجره يقتل غالبا وقد ادعى أنه لا يقتل غالبا وجب القصاص ، فإن لم تقم بينة بذلك صدق بيمينه . ولو أوجر شخصا سما لا يقتل غالبا فشبه عمد أو يقتل مثله غالبا فالقصاص ، وكذا إكراه جاهل عليه لا عالم . وكلام أصل الروضة هنا محمول على هذا بقرينة ذكره له في الكلام على إكراهه على قتل نفسه . ولا يجب على المجني عليه معالجة الجناية بما يدفعها : ( و ) حينئذ ( لو ترك المجروح علاج جرح مهلك ) له ( فمات ) منه ( وجب القصاص ) جزما على الجارح ، لأن البرء غير موثوق به لو عولج ، والجراحة في نفسها مهلكة . أما ما لا يهلك كأن فصده فلم يعصب العرق حتى مات فإنه لا ضمان لأنه الذي قتل